في 12 يناير/ كانون الثاني، تحل الذكرى الخمسون لوفاة الكاتبة البريطانية أغاثا كريستي، التي توفيت في مثل هذا اليوم من عام 1976. لقد تم اقتباس العديد من رواياتها إلى مسرحيات وأفلام ومسلسلات تلفزيونية، مما ساهم في توسيع قاعدة جمهورها لتشمل قراء ومشاهدين لم يطّلعوا على أعمالها الأصلية. من بين أبرز هذه الأعمال النسخ السينمائية لروايتي “جريمة قتل في قطار الشرق السريع” و”موت فوق النيل”. ومن أحدث الأعمال التلفزيونية المقتبسة عن رواياتها مسلسل Agatha Christie’s Seven Dials، الذي من المقرر أن تعرضه نتفليكس في يناير/ كانون الثاني الحالي.
البدايات
ولدت أغاثا كريستي باسم أغاثا ماري كلاريسا ميلر في 15 سبتمبر/ أيلول 1890، لأسرة ميسورة في مدينة توركواي بمنطقة ديفون جنوب غربي إنجلترا. كانت والدتها كلاريسا مارغريت بومر بريطانية، ووالدها أمريكياً هو فريدريك ميلر، الذي توفي عندما كانت أغاثا طفلة، فتولت والدتها تعليمها وتنشئتها. لم تتلق كريستي تعليماً نظامياً في سنواتها الأولى، إذ كانت والدتها تؤمن بأهمية التعليم المنزلي، وقضت معظم طفولتها في ديفون، حيث ألهمتها أماكن عدة استخدمتها في أعمالها الأدبية، مثل منحدرات سانت ماري تشيرش، وفندق إمبريال، وجزيرة بورغ.
هيركيول بوارو وميس ماربل
عاد بوارو للظهور في نحو 25 رواية وعدد كبير من القصص القصيرة، قبل أن تختتم كريستي مسيرته بعودته إلى ستايلز ووفاته في رواية “الستار” عام 1975. إلى جانب بوارو، ابتكرت كريستي شخصية ميس ماربل، التي ظهرت للمرة الأولى في رواية “جريمة قتل في فيكاري” عام 1930. تختلف ميس ماربل عن بوارو في أسلوبها، فهي سيدة مسنّة تعيش في قرية صغيرة، وتعتمد في كشف الجرائم على ملاحظتها الدقيقة وخبرتها بالحياة وفهمها العميق للطبيعة البشرية. ورغم التباين بين الشخصيتين، فقد حققتا معاً جاذبية واسعة لدى القراء، إذ يجسد بوارو منهج العقلانية والتحليل المنطقي، في حين تمثل ميس ماربل الحدس والملاحظة الاجتماعية، وهو تنوع منح كريستي مساحة أوسع لابتكار روايات وأساليب سرد متعددة.
الشهرة
حققت أغاثا كريستي شهرة واسعة مع صدور رواية “مقتل روجر أكرويد” عام 1926، التي رسخت مكانتها كإحدى أبرز كاتبات الأدب البوليسي. ترجمت رواياتها إلى عشرات اللغات، وأصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية العالمية. من أشهر أعمالها “جريمة قتل في قطار الشرق السريع”، و”موت فوق النيل”، و”البيت المائل”. تعد رواية “ثم لم يبقَ أحد” من أبرز أعمالها وأكثرها تعقيداً، إذ تدور أحداثها حول مجموعة أشخاص يجتمعون في جزيرة نائية، ويتعرضون للقتل واحداً تلو الآخر وفق أبيات قصيدة أطفال، في بناء درامي متصاعد يحافظ على التشويق حتى النهاية. كما حولت أعمال كثيرة لكريستي إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية، مما أسهم في توسيع جمهورها عبر أجيال مختلفة.
حياتها الشخصية
لم تخل الحياة الشخصية للكاتبة أغاثا كريستي من الدراما. في عام 1926، توفيت والدتها، وفي العام نفسه طلب زوجها، الطيار أرشيبالد كريستي، الطلاق بعدما وقع في حب امرأة أخرى هي نانسي نيل، صديقة الأسرة. شكل اختفاؤها المفاجئ في عام 1926 أحد أكثر فصول حياتها غموضاً، إذ اختفت لمدة 11 يوماً عقب خلاف حاد مع زوجها بعد طلبه الطلاق، مما أثار ضجة إعلامية واسعة، ودفعت الصحف إلى عرض مكافآت مقابل أي معلومات عن مكان وجودها. في نهاية المطاف، عثر عليها في أحد فنادق مدينة هاروغيت في يوركشاير، حيث قالت إنها كانت تعاني من فقدان الذاكرة، وقد سجلت دخولها الفندق باسم “نانسي نيل”، وهو ما زاد الغموض حول الواقعة. لم تدلِ كريستي لاحقاً بأي تفاصيل عما حدث خلال تلك الأيام، وبقي الحدث لغزاً يحيط بسيرتها حتى اليوم. انتهى زواجها الأول بالطلاق عام 1928، قبل أن تتزوج في عام 1930 عالم الآثار ماكس مالوان، وهو زواج استمر حتى وفاتها. رافقت كريستي زوجها الثاني في رحلاته وبعثاته الأثرية إلى الشرق الأوسط، واستلهمت من تلك التجارب مواقع وشخصيات وأحداثاً ظهرت في عدد من رواياتها. في عام 1971، منحت لقب سيدة الإمبراطورية البريطانية تقديراً لإسهاماتها الأدبية، وتوفيت في 12 يناير/ كانون الثاني 1976 في والينغفورد بمقاطعة أوكسفوردشاير عن عمر ناهز 85 عاماً. بعد مرور ما يقرب من خمسة عقود على وفاتها، لا تزال أعمالها من بين الأكثر قراءة في العالم، وتحافظ قصصها على حضور قوي في السينما والتلفزيون. يبقى إرثها حياً في مسقط رأسها توركواي، حيث يضم المتحف المحلي قسماً مخصصاً لها، إضافة إلى تمثال نصفي برونزي للكاتبة قرب الميناء.
أبرز المعلومات عن أغاثا كريستي
- بدأت أغاثا كريستي كتابة القصص منذ طفولتها، وخلال فترة المراهقة أرسلت عدداً من القصص القصيرة إلى مجلات تحت اسم مستعار، لكنها قوبلت جميعها بالرفض.
- تزوجت من طيار في سلاح الطيران الملكي، في سن الثانية والعشرين تعرّفت على الطيار أرشيبالد كريستي، الذي كان يخدم في سلاح الطيران الملكي، وتزوجته مع اندلاع الحرب العالمية الأولى.
- تطوعت خلال الحرب العالمية الأولى، شاركت في المجهود الحربي من خلال العمل في مستشفى الصليب الأحمر في توركواي، حيث أدت مهام طبية مختلفة.
- كانت لديها معرفة بالسموم، خلال تطوعها في الحرب العالمية الأولى، اكتسبت معرفة واسعة بالأدوية والسموم والمواد الخطرة، واستخدمت هذه الخبرة في ما لا يقل عن 41 رواية بوليسية.
- جاءت رواية “القضية الغامضة في ستايلز” نتيجة تحدٍّ من شقيقتها الكبرى، التي طلبت منها كتابة قصة بوليسية لا يمكن تخمين حلّها، وقدّمت فيها للمرة الأولى شخصية هيركيول بوارو.
- جريمة قتل روجر أكرويد جعلتها مشهورة، شكّلت رواية “مقتل روجر أكرويد” الصادرة عام 1926 نقطة تحوّل في مسيرتها، وتُعد من أفضل أعمالها، وقد صُنّفت عام 2013 ضمن أكثر روايات الجريمة تأثيراً في التاريخ.
- كان عام 1926 الأسوأ في حياتها، في أبريل/ نيسان 1926 توفيت والدتها، ثم أخبرها زوجها لاحقاً بأنه يحب امرأة أخرى هي نانسي نيل، صديقة العائلة، ما فاقم أزمتها الشخصية.
- أصبحت موضوع لغز حقيقي، في 3 ديسمبر/ كانون الأول 1926 اختفت كريستي فجأة، وأثار اختفاؤها اهتماماً إعلامياً واسعاً، قبل أن يُعثر عليها بعد 11 يوماً في فندق هيدروباتيك في هاروغيت، حيث سجلت اسمها باسم “السيدة نيل”.
- بعد اختفائها وطلاقها، واصلت الكتابة وحققت مبيعات متزايدة، وبحلول خمسينيات القرن العشرين كانت تحقق دخلاً سنوياً يُقدّر بنحو 100 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل ملايين الجنيهات بأسعار اليوم.
- كانت تحب علم الآثار، في عام 1928 سافرت إلى بغداد على متن قطار الشرق السريع، وشاركت في أعمال التنقيب الأثري من خلال رسم وفهرسة القطع المكتشفة، قبل أن تتزوج عالم الآثار ماكس مالوان في لندن عام 1930، رغم فارق العمر بينهما.
- تطوعت خلال الحرب العالمية الثانية، خلال الحرب العالمية الثانية بقيت في لندن، حيث تطوعت للعمل في المستشفيات أثناء الغارات الجوية.
- في الخمسينيات أصبحت كريستي كاتبة مسرحية بارزة، وافتُتحت مسرحيتها “مصيدة الفئران” في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1952، لتصبح أطول عرض مسرحي متواصل في التاريخ، ولم يتوقف عرضها إلا مؤقتاً بسبب إغلاق المسارح خلال جائحة كوفيد-19.
