كشفت وثائق قضائية أميركية عن واحدة من أكبر قضايا تهريب التقنيات المتقدمة، بعد اتهام شبكة دولية بمحاولة تهريب شرائح ذكاء اصطناعي متطورة من إنتاج شركة إنفيديا إلى الصين، بقيمة تصل إلى 160 مليون دولار، في خرق مباشر لقوانين الأمن القومي الأميركي. في 8 ديسمبر، أعلن مدعون فدراليون في ولاية تكساس تفاصيل التحقيق الذي حمل اسم “عملية حارس البوابة”، والذي لم يستهدف مخدرات أو بضائع مسروقة، بل شبكة سرية لتوريد وحدات معالجة الرسوميات (GPU) المحظورة، التي تُعد العمود الفقري لسباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

شرائح تقود سباق الذكاء الاصطناعي

أكدت السلطات أن العملية شملت دخول أشخاص إلى الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، وإنشاء شركات وهمية، إضافة إلى مستودع سري في ولاية نيوجيرسي، تم اختراقه من قبل عميل سري يعمل لصالح الحكومة الأميركية.

تلاعب في الشحن وتغيير العلامات

خلال التحقيق، أُرسل عميل سري إلى مستودع في مدينة سيكاوكس بولاية نيوجيرسي، حيث شاهد المشتبه بهم وهم يعيدون تصنيف شرائح “إنفيديا” بعلامات تجارية مزيفة لشركة وهمية تحمل اسم “Sandkayan”. كما جرى التلاعب بوثائق الشحن، ووصفت الشرائح على أنها محولات أو وحدات تحكم كهربائية للتمويه. في 28 مايو، بلغت العملية ذروتها عندما وصلت ثلاث شاحنات إلى المستودع لنقل الشرائح المهربة. وفقاً لرسائل نصية اعترضتها السلطات، أبلغ أحد السائقين المتورطين بأن الشرطة بدأت في الاستفسار عن وجهة الشحنة، ليرد المتآمرون بتعليمات صريحة: “قولوا إنكم لا تعرفون شيئاً”. بعد دقائق، أرسل أحد المتورطين رسالة عاجلة إلى المجموعة: “حلّوا مجموعة الدردشة واحذفوا الجميع”. بعد ذلك، داهمت السلطات الفدرالية الموقع وصادرت المعدات، مانعة شحنها إلى الصين.

صراع أميركي صيني على العقول الإلكترونية

تعكس هذه القضية حدة الصراع التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين للسيطرة على الشرائح المتقدمة التي يُنظر إليها على أنها مفتاح الاقتصاد العالمي في المستقبل. رغم محاولات بكين تطوير سوق محلية للشرائح، فإنها لا تزال تعتمد بشكل كبير على تقنيات “إنفيديا”. يقول محلل شركة SemiAnalysis، راي وانغ، إن أكثر من 60% من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة في الصين تعتمد حالياً على عتاد “إنفيديا”، مضيفاً أن تفوق الشركة لا يقتصر على الأجهزة فقط، بل يشمل البرمجيات أيضاً، ما يجعل اللحاق بها تحدياً صعباً.

تهريب مستمر رغم القيود

تأتي هذه القضية وسط سلسلة من القضايا المشابهة، حيث قدر مركز الأمن الأميركي الجديد أن ما بين 10 آلاف إلى مئات الآلاف من شرائح الذكاء الاصطناعي تم تهريبها إلى الصين خلال عام 2024 وحده. في تعليقها، أكدت شركة إنفيديا أن أنظمة التصدير الأميركية صارمة وشاملة، وأن حتى إعادة بيع الشرائح القديمة تخضع لتدقيق شديد، مشددة على تعاونها المستمر مع الحكومة لمنع تهريب الشرائح المستعملة.

تصريح رئاسي يربك القضية

لكن المفارقة جاءت في اليوم نفسه الذي كُشف فيه عن التحقيق، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشيال” السماح بتصدير شرائح H200 إلى الصين، بشرط حصول الولايات المتحدة على 25% من قيمة المبيعات، مع استمرار الحظر على الشرائح الأحدث مثل بلاكويل وRubin. هذا التصريح أربك مسار القضية، إذ سارع محامو الدفاع إلى الاستناد إليه للطعن في مزاعم أن تهريب هذه الشرائح يشكل تهديداً للأمن القومي. رغم ذلك، يرى خبراء أن عمليات التهريب لن تتوقف، مؤكدين أن الطلب الصيني على قدرات الحوسبة المتقدمة يتجاوز ما تسمح به القنوات الرسمية، في ظل تسارع غير مسبوق في سباق الذكاء الاصطناعي عالمياً.