عندما تدق عقارب الساعة معلنةً حلول الأول من يناير من كل عام ميلادي، يبدو أن العالم بأسره يستقبل عامًا جديدًا في نفس اللحظة، إلا أن الحقيقة أكثر تعقيدًا. ليس كل شعب يحدد بداية عامه وفق التقويم الميلادي، فهناك تقاويم محلية ودورات قمرية وشمسية وطقوس ثقافية ودينية تجعل لكل مجتمع موعده الخاص لاستقبال السنة الجديدة. يعود هذا التنوع إلى تاريخ طويل من التقاويم المختلفة التي ابتكرتها الحضارات البشرية عبر العصور، كل منها يعكس رؤية مختلفة للكون، وحركتي الشمس والقمر، وارتباط الزمن بالدين أو الزراعة أو السلطة السياسية.

التقويم الميلادي واحتفالات يناير

في العديد من دول العالم، يُستخدم التقويم الغريغوري كأساس للعام الجديد، ويُحتفل به رسميًا في الأول من يناير. يعتمد هذا التقويم على الحساب الشمسي، وقد اعتمدته الإمبراطورية الرومانية ومن ثم المسيحية تدريجيًا قبل أن يصبح المعيار الدولي اليوم. ومن أشهر الاحتفالات العالمية بهذا اليوم الاستعدادات الضخمة في ميدان تايمز سكوير في نيويورك، حيث تُضاء أرقام العام الجديد وتُطلق الألعاب النارية وسط حشود ضخمة من المحتفلين من مختلف أنحاء العالم.

السنة الصينية الجديدة: القمر والفصول

تقدم الصين نموذجًا مختلفًا، حيث يحتفل الصينيون بالسنة الجديدة وفق التقويم القمري الشمسي الذي يجمع بين دورة القمر والفصول الشمسية. يقع هذا الاحتفال عادةً بين أواخر يناير ومنتصف فبراير، ويستمر لمدة خمسة عشر يومًا، تبدأ من أول يوم في الشهر القمري الجديد وتنتهي بمهرجان الفوانيس. تتركز الاحتفالات على لم شمل الأسرة وتكريم الأسلاف، وتزين الشوارع بالألوان الحمراء والأضواء، بينما تذكر الأسطورة الشعبية بحش نيان الذي كان يُعتقد أنه يهاجم القرى مع نهاية كل عام، فتطورت العادات لتشمل الألعاب النارية والضوضاء لإبعاد الشر.

سيؤلال: السنة الكورية الجديدة

في كوريا الجنوبية والشمالية، يتم الاحتفال بالسنة الكورية الجديدة أو سيؤلال وفق التقويم القمري الشمسي، ويصادف هذا التاريخ عادةً بين يناير وفبراير بالتزامن تقريبًا مع السنة الصينية الجديدة. رغم أن الأول من يناير هو البداية الرسمية للسنة الميلادية، إلا أن سيؤلال تحافظ على مكانتها الثقافية والاجتماعية الأهم، حيث تمتد الاحتفالات لثلاثة أيام تشمل تحية الأسلاف، إعداد الأطعمة التقليدية، أداء رقصة الأسد، ولقاءات عائلية تجمع الأسر من مختلف المدن.

التقويم الهجري وبداية العام الإسلامي

أما في الدول الإسلامية، فبداية العام الهجري تختلف كليًا، إذ يعتمد التقويم الإسلامي على الدورة القمرية، ويبدأ بشهر محرّم، أحد الأشهر الحُرم في الإسلام. يبلغ طول السنة الهجرية نحو 354 يومًا، أي أقصر بنحو أحد عشر يومًا من السنة الميلادية، مما يجعل موعد رأس السنة يتحرك عبر فصول السنة المختلفة كل عام. تُحتفل السنة الهجرية حول العالم من خلال الصلاة، والإنشاد الديني، والمواكب والمسيرات التي تحمل الشعلة، مع التركيز على لم شمل الأسرة والتجديد الروحي واستذكار الهجرة النبوية.

رأس السنة اليهودية: روش هاشناه

في إسرائيل والعديد من المجتمعات اليهودية حول العالم، تبدأ السنة الجديدة، المعروفة برأس السنة اليهودية أو روش هاشناه، في شهر تيشري الذي يوافق سبتمبر أو أكتوبر في التقويم الميلادي. يعتمد هذا الاحتفال على التقويم العبري الذي يجمع بين الدورة القمرية وحركة الشمس لضبط المواسم الزراعية والدينية. يتميز روش هاشناه بالطقوس الدينية والروحية مثل الصلاة في المعابد، دق الشوفار، التأمل في الأعمال الماضية، وتقديم التمنيات الطيبة للعام الجديد.

النوروز الإيراني والآسيوي

في إيران وأجزاء واسعة من آسيا الوسطى وفارس، يتم الاحتفال بالسنة الجديدة وفق تقويم النوروز الشمسي، الذي يتزامن مع الاعتدال الربيعي في 20 أو 21 مارس، معلنًا بداية الربيع وتجدد الطبيعة. تمتد جذور النوروز لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ويرتبط بالتراث الزرادشتي وقيم النور والحياة والتوازن. تتميز الاحتفالات بمائدة “هفت سين” التي تحتوي على سبعة عناصر تبدأ جميعها بحرف السين بالفارسية.

رأس السنة الأمازيغية والإثيوبية

في شمال إفريقيا، يحتفل الأمازيغ برأس السنة المعروف باسم “يناير”، والذي يحل عادة في 12 أو 13 يناير حسب التقويم الغريغوري، ويعتمد على تقويم زراعي قديم يمتد لقرون طويلة. تشمل الاحتفالات العزف على الآلات الإيقاعية، الرقصات التقليدية، والملابس الملونة، لتكون بداية العام الجديد رمزًا للخصوبة والعمل والتجدد. في إثيوبيا وإريتريا، يُحتفل برأس السنة الإثيوبية أو إنكوتاتاش في سبتمبر وفق تقويم محلي مختلف، حيث يرتبط العيد بنهاية موسم الأمطار وبداية الربيع المحلي.

فيتنام والهند: تعدد الاحتفالات والتقويمات

في فيتنام، يحتفل الفيتناميون برأس السنة أو تيت وفق التقويم القمري، وعادةً ما يقع بين يناير وفبراير، ويعد أهم مناسبة ثقافية في البلاد. تشمل الطقوس لم شمل الأسرة، احترام الأسلاف، تقديم الأطعمة التقليدية، تزيين المنازل بالألوان الحمراء، وإطلاق الألعاب النارية ورقصات التنين. أما الهند، فتعكس تنوع الثقافات والأديان تعدد تواريخ الاحتفال بالسنة الجديدة، حيث يختلف الموعد حسب المجتمعات المحلية بين التقاويم الشمسية والقمرية والمختلطة.

الاحتفالات التقليدية المتنوعة حول العالم

إلى جانب الأمثلة السابقة، هناك العديد من الاحتفالات الخاصة التي تحدد بداية العام لكل شعب وفق تقاويم محلية. في شمال إفريقيا، يحتفل الأمازيغ برأس السنة المعروف بـ “يناير” في 12 أو 13 يناير، وهو تقويم زراعي قديم يعكس بداية موسم الفلاحة. في التبت وبعض مناطق آسيا مثل بوتان ونيبال، يحتفل الناس بـ لوسار وهو رأس السنة التبتي وفق تقويم خاص يعتمد على الدورة القمرية.

تنوع عالمي: لكل شعب تقاليده

تعكس هذه التقاليد المختلفة أن بداية العام الجديد ليست عالمية، وأن لكل ثقافة أو مجتمع رؤيته الخاصة في استقبال السنة الجديدة. من السنة الصينية والكورية إلى النوروز الإيراني، رأس السنة الأمازيغية والإثيوبية، الفيتنامية والهندية، وكذلك التقويم الهجري والعبري، يختار كل شعب موعده ومعناه الرمزي، في حين أصبح التقويم الميلادي الأكثر استخدامًا عالميًا جزءًا من خريطة زمنية ثقافية غنية ومتنوعة حول العالم.