عبارة “غزة تنادي وحاجتها لا تنتظر” جاءت كإنذار عاجل بأن الألم لا يحتمل مزيدًا من الصمت، بينما اختصر نداء “أغيثوا غزة” حجم المأساة التي يعيشها أهلها يوميًا. وفي قولهم “أهل غزة يستحقون الفرح”، أعاد الأطفال تذكير العالم بحقيقة إنسانية غائبة، وهي أن الفرح حق وليس منّة، وأن هذه الرسائل الصغيرة المحمولة على لافتات بسيطة ليست سوى محاولة أخيرة لهزّ ضمير إنساني تأخر كثيرًا عن نصرة غزة وأطفالها.
شموعٌ أضعف من الريح
في تفاصيل الوجع والألم، حيث كانت ليلة باردة من ليالي غزة، اختلط الهواء برائحة الركام، ووقف أطفال صغار أمام خيام مهترئة في مخيم الشاطئ، يحملون شموعًا أضعف من الريح، لكنها أقوى من الحرب، يعلنون مع دخول العام الجديد رسالة واحدة: غزة تستحق الحياة. لم تكن الصور التي التقطت في مخيم الشاطئ مجرد لقطات عابرة، بل شهادات صامتة على عامين من الفقد والنزوح، أطفال بملابس خفيفة، أقدامهم على الأرض الباردة، وعيونهم معلّقة بلهب صغير، كأنهم يتشبثون بآخر ما تبقّى من الأمل.
مطالبة بإعادة الفرح
بين الخيام المقامة فوق أنقاض نادٍ رياضي دمّره القصف، تجمع الأطفال في وقفة رمزية عند منتصف الليل، رفعوا لافتات كُتبت بخطوط طفولية، لكنها حملت أثقل المعاني، تطالب بالفرح، وتستنجد بالحياة، وتصرخ في وجه عالم اعتاد رؤية مأساتهم دون أن يتوقف. مع اقتراب عقارب الساعة من الثانية عشرة، أُشعلت الشموع، فارتجفت الأيدي الصغيرة، لا من الخوف فقط، بل من البرد الذي يرافقهم كل ليلة، ومع ذلك لم تنطفئ الابتسامات الخجولة التي حاولت أن تشق طريقها وسط العتمة.
المدرسة بدلاً من الخيمة
أحد الأطفال قال بصوت خافت وهو ينظر إلى الشمعة، إنه يتمنى عامًا لا ينام فيه على صوت الانفجارات، وأن يعود إلى المدرسة بدل الخيمة، وأن يعيش يومًا عاديًا يشبه أيام الأطفال في بقية العالم. طفل آخر، دون معرفة اسمه، عبّر عن شعوره بأنه كبر قبل أوانه، وأن الحرب سرقت منه اللعب والضحك، لكنه جاء إلى الوقفة ليقول إنهم ما زالوا هنا، وما زالوا قادرين على الحلم، رغم كل ما شاهدوه.
بيت دافئ لا تبلله الأمطار
وفي زاوية أخرى، وقفت طفلة تحمل شمعتها بقوة، وقالت إن أمنيتها الوحيدة أن تعود إلى بيت دافئ، لا تبلله الأمطار ولا يوقظها الخوف، مؤكدة أن الخيمة لا تشبه البيت، ولا تشبه الطفولة. هذه الشموع لم تكن احتفالًا، بل فعل مقاومة إنسانية، محاولة لإعادة تعريف العام الجديد في مكان لم يعرف منذ زمن سوى العدّ التنازلي للغارات، حيث يتبادل العالم الهدايا، ويتبادل أطفال غزة الخيام والبرد والقلق.
الفعالية، التي نظمها ناشطون محليون، جاءت لتؤكد أن أطفال غزة، رغم كل ما فُرض عليهم، ما زالوا يملكون القدرة على الوقوف، وعلى إرسال رسالة واضحة: نحن هنا، نحب الحياة، ونستحقها.
الصغار لا ينسون
“الكبار يموتون والصغار لا ينسون”، هذا ما أكده رئيس لجنة مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة محمد ماضي في ملخص رسالة وقفة الأطفال بمناسبة رأس السنة الميلادية. في ليل المخيم القاسي، لم تُبدّد الشموع الظلام، لكنها فضحته، وأظهرت أن خلف هذه الصور وجوهًا صغيرة تنتظر عامًا أقل قسوة، وأرضًا لا تُقصف، وطفولة لا تُسرق، وفجرًا يشبه الحياة.
