مع انتهاء المهلة التي حددها مجلس القيادة الرئاسي اليمني لخروج الإمارات من البلاد، وإعلان أبوظبي إنهاء وجودها العسكري في اليمن، تبرز أسئلة عديدة حول طبيعة الانسحاب الإماراتي ومدى تأثيره على معادلة الصراع، بالإضافة إلى قدرة الضغوط على إخراج المجلس الانتقالي الجنوبي من محافظتي المهرة وحضرموت المحوريتين. يتناول هذا التقرير التصعيد السياسي والعسكري المتسارع في اليمن، ويحاول استشراف تأثيره على مستقبل وحدة البلاد بالإجابة عن 5 أسئلة محورية.

هل انسحبت الإمارات من اليمن؟

بعد ساعات من مطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الإمارات العربية المتحدة بإخراج قواتها من البلاد خلال 24 ساعة وإلغاء اتفاقية الدفاع المشتركة مع أبوظبي، والموقف السعودي الرسمي الداعم لهذا القرار، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية إنهاء ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن. أكدت الوزارة أن الإمارات اتخذت القرار بمحض إرادتها بالتنسيق مع الشركاء، وأن الانسحاب يأتي في إطار تقييم شامل لمتطلبات المرحلة، وبما يتماشى مع التزاماتها ودورها في دعم أمن واستقرار المنطقة. أشارت الوزارة إلى أن القوات الإماراتية أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019 بعد استكمال المهام المحددة “ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها”، في حين اقتصر ما تبقى من وجود عسكري على فرق مختصة ضمن جهود مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع الشركاء الدوليين المعنيين. وقد سبق أن نفت مصادر يمنية مطلع 2021 إنهاء الإمارات وجودها العسكري في اليمن، وذلك بعد تأكيد مسؤول إماراتي أن بلاده أنهت تدخلها العسكري باليمن في أكتوبر/تشرين الأول 2020. تشير مصادر إلى أن قرار الانسحاب الإماراتي يشمل فرقًا متخصصة في مكافحة الإرهاب فقط، وهي وحدات محدودة العدد والوظيفة، ولا تمثل وجودًا قتالياً واسعاً، وتنتشر هذه القوات المحدودة في أماكن عديدة، أبرزها محافظة شبوة النفطية، وفي جزيرة ميون على البحر الأحمر، فضلاً عن أرخبيل سقطرى شمال غرب المحيط الهندي. وحسب مصادر محلية في محافظة شبوة، فقد بدأت الإمارات بتفكيك الرادارات وأجهزة الاتصالات في معسكر بلحاف، وكذلك في معسكر مرة بالمحافظة، تمهيدًا للانسحاب.

هل ينهي الانسحاب النفوذ الإماراتي؟

يرى محللون سياسيون وعسكريون أن الانسحاب الإماراتي ليس انسحابًا كاملاً من اليمن، بل يقتصر على إنهاء مهمة محددة، ويرجحون بقاء عناصر محدودة وغير معلنة، مثل المستشارين العسكريين وضباط الارتباط، علاوة على الدعم الاستخباري، مع استمرار التنسيق غير المباشر في المرحلة المقبلة بين أبوظبي والجهات الموالية لها في اليمن. تشير مصادر صحفية يمنية إلى أن الإمارات عززت وجودها منذ بدء التحالف في اليمن، من خلال قوات عسكرية مباشرة، ثم حولت هذا الوجود في مراحل لاحقة إلى نفوذ غير مباشر عبر قوى محلية حليفة، من بينها المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات النخبة الحضرمية، وقوات دفاع شبوة على سبيل المثال. لذلك، فإن الخطوة الإماراتية -وفق محللين- لا تعدو أن تكون خفض حضور مباشر وليست انسحابًا استراتيجيًا، فنفوذ أبوظبي في اليمن باقٍ من خلال حلفائها.

ماذا يعني الانسحاب بالنسبة للجنوب؟

عقب إعلان الانسحاب الإماراتي من اليمن، يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري حول مصير مشروع الانفصال في جنوب البلاد الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي. يرى محللون أنه في حال انسحاب الانتقالي الجنوبي من محافظتي حضرموت والمهرة -بضغط سياسي أو عسكري أو كليهما- سيصعب عليه إعلان الانفصال أو ما يطلق عليها “دولة الجنوب العربي”، وذلك نظرًا للمساحة الشاسعة للمحافظتين اللتين تشكلان نحو نصف مساحة البلاد. كما أن انسحابه من المحافظتين سيتيح لرئيس مجلس القيادة الرئاسي والمكونات الداعمة له معاقل استراتيجية مهمة لاتخاذها منطلقًا للحكم، في حين ستنحصر سيطرة الانتقالي الجنوبي في مناطق من بينها جزيرة سقطرى والعاصمة المؤقتة عدن، وفقًا للمحللين. في هذا الإطار، يرى السياسي اليمني وعضو مجلس الشورى صلاح باتيس أن خروج الإمارات من التحالف العربي بقرار من الشرعية اليمنية “سيؤدي لزوال نصف الخطر ونصف التوتر ونصف التهديد الذي حدث، بينما سيزول النصف الآخر من الخطر والتهديد، بخروج قوات الانتقالي واستجابتها لتجنيب المنطقة مزيدًا من الصراعات”. كما يرى باتيس ضرورة دمج القوات التي كانت مدعومة إماراتيًا في مؤسسات الدولة التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، بحيث تصبح أي تشكيلات عسكرية حكرًا على الدولة، وفقًا لمشاورات الرياض وقرار نقل السلطة واتفاق الرياض.

هل ينسحب الانتقالي من حضرموت والمهرة؟

بعد الإعلان السعودي عن الضربة الجوية التي شنها تحالف دعم الشرعية على ميناء المكلا، عاصمة حضرموت، والتي استهدفت أسلحة قادمة من الإمارات لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، وصف القيادي في المجلس الانتقالي محمد الزبيدي الضربة بـ”الاعتداء السافر” والتدخل في شؤون حضرموت. أكد للجزيرة أن القوات الجنوبية لن تقف مكتوفة الأيدي وستدافع عن أمن المنشآت، رافضًا دعوات الانسحاب من المواقع العسكرية أو خروج القوات الإماراتية التي وصفها بـ”الحليف الصادق”. قال الزبيدي -في تصريحات للجزيرة- إن القوات الجنوبية والحضرمية “لن تقف مكتوفة الأيدي” أمام أي اعتداء، مؤكدًا التزامها بالدفاع عن حضرموت وأمنها ومنشآتها. أضاف أن المطالبات التي سبقت هذه التطورات، والتي دعت إلى انسحاب قوات محلية من مواقعها، “غير منطقية وغير مقبولة”، متسائلًا: “كيف يطلب من جيش أن ينسحب من أرضه ويسلمها للغريب؟”. تتالت مواقف الانتقالي الجنوبي الرافضة للانسحاب من محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين استولى عليهما خلال التحركات العسكرية التي بدأها مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، وأعلن خلالها سيطرته على المحافظتين، رافضًا الدعوات المحلية والإقليمية للانسحاب. بسط المجلس سيطرته على المحافظتين بعد أيام من التوتر مع “حلف قبائل حضرموت”، الذي يطالب بالحكم الذاتي ضمن إطار الدولة اليمنية الموحدة، في مقابل مساعٍ من الانتقالي لترسيخ مشروعه القائم على إقامة دولة جنوبية مستقلة.

ما الضغوط العسكرية على الانتقالي؟

تشير التقارير إلى تحركات عسكرية متسارعة من قبل قوات موالية للمجلس الرئاسي للضغط على الانتقالي، وذلك تزامنًا مع ضغوط سياسية متصاعدة منذ أمس الثلاثاء. كما تتحدث تقارير إخبارية عن استنفار واسع وحشود عسكرية كبيرة دفعت بها قوات “درع الوطن” -الموالية للمجلس الرئاسي والمدعومة من السعودية- إلى حضرموت والمهرة، في محاولة لإنهاء سيطرة الانتقالي على المواقع والمعسكرات الحيوية في المنطقتين. في ضوء هذه التطورات المتسارعة، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الضغوط الحالية في إجبار الانتقالي الجنوبي على الانسحاب من حضرموت والمهرة، وبذلك يُجهض مشروع انفصال الجنوب؟