إذا كان لديكم أطفال، أو كنتم محاطين بهم، أو ببساطة من ذوي الحضور الدائم على الإنترنت، فغالباً ما تكونون قد سمعتم، ولو مرة واحدة، عبارة “6 – 7” (سيكس سيفن)، التي تترافق عادةً مع حركة يدين تشير إلى شيءٍ تقريبي. عبارة قصيرة – بل رقمان متتاليان – لا تقول شيئاً واضحاً، لكنها تحوّلت، قبل نحو شهرين، تحديداً قبيل عيد الهالووين، إلى “ميم” واسع الانتشار، سرعان ما أصبح حاضراً في كل مكان. على تيك توك وإنستغرام، في أحاديث الأطفال والمراهقين، وحتى في حملات تسويقية تبنّتها علامات تجارية ومتاجر، سعياً لمحاكاة لغة جيل ألفا وجيل زد، اللذين يشكّلان الحاضنة الأساسية لهذه الظاهرة: نسمع “6 – 7” بنبرةٍ وحركة يد موحّدة.

وصل الأمر إلى حدّ أنّ محرّك بحث غوغل نفسه، حين يُسأل عن هذه الميم، يهزّ الشاشة في محاكاة لحركة اليدين المرافقة لنطق العبارة، كتحية أو إيماءة من العملاق الأمريكي للترند الشهير. وإذا كنتم تتساءلون أيضاً عن معنى هذا الترند، فإنّ هذا المقال لن يقدّم إجابة كاملة وشافية لهذا السؤال، لكنه سيحاول فهم الظاهرة من زوايا أخرى.

مصدر العبارة

ثمّة نظرية متداولة حول مصدر العبارة، لكن لا شيء يؤكّد فعلاً أنها نقطة البداية الفعلية. تقول هذه الرواية إنّ العبارة تعود إلى أغنية راب بعنوان “Doot Doot (6 7)” للمغنّي الأمريكي سكريلا، والتي اكتسبت رواجاً من خلال مقاطع مونتاج تضم لاعبي كرة سلة محترفين، ولا سيما لاميلو بول، الذي يبلغ طوله ستة أقدام وسبع بوصات. لاحقاً، ساهم لاعب دوري “أوفرتايم إيليت” في مدينة آتلانتا تايلن كيني، في تعزيز انتشار الميم عبر تكراره المستمر للعبارة. غير أنّ اللحظة التي يعتبرها كثيرون الشرارة الحاسمة لتحويلها إلى ما يشبه “وباءً رقمياً” جاءت في مارس/آذار الماضي، مع انتشار مقطع فيديو قصير لطفل أمريكي يُدعى مافريك تريفيليان، عُرف لاحقاً بلقب “طفل 6 – 7”. يظهر في الفيديو وهو يصرخ بالعبارة خلال مباراة كرة سلة، مرفقاً ذلك بإيماءة يد سرعان ما أصبحت علامة ملازمة لها.

غياب المعنى

هل هذا كل ما في الأمر؟ أليس هناك معنىً “أعمق” لهذه الحمّى؟ لا، وغياب المعنى هذا هو بالضبط المعنى هنا. ما يهمّ هنا ليس المعنى أو الدلالة الكامنة خلف النكتة، بل شيء آخر تماماً: الانتماء. يمكن القول إنّ ترند “6 -7” هو تجسيد مثالي للفكاهة السائدة لدى جيلَيْ زد وألفا. فتوحّل هذه الميم إلى حركة يؤدّيها الأطفال والمراهقون في أنحاء العالم يكشف بوضوح التحوّلات التي طرأت على شكل الكوميديا لدى هذه الفئات. العبارة لا تحمل نكتة بالمعنى التقليدي، ولا تحيل إلى قصة، ولا تقوم على مفارقة ذكية أو إحالة ثقافية واضحة. ومع ذلك، يضحك هؤلاء، ويعيدون استخدامها، ويستمدّون متعة من تداولها.

العبثية كوسيلة للتعامل مع الواقع

تصف معظم المواد المتداولة على الإنترنت فكاهة جيلَيْ زد وألفا بأنها تقوم على اللامعقول، والمزاح الأخرق، والالتواء المقصود. كما أن حتى شكلها في الغالب لا يتبع معايير جمالية كتلك التي اعتدنا عليها في العقد الماضي على الإنترنت. فهي غير متناسقة ومصممة بشكل عشوائي حيث تظهر التعديلات فوق بعضها من دون أي احترافية، في إبرازٍ مقصودٍ للفوضوية والرثاثة. ما يجعل البعض يصف هذا النمط من الكوميديا بـ”العبثية”.

تأثير الخوارزميات

لا يمكن فهم هذا النوع من الفكاهة إلا بوضعه ضمن الحالة الثقافية الأوسع التي باتت تُسمّى “تعفّن الدماغ”. وهو مصطلح وُلد في الأصل كلقب ساخر يطلقه المستخدمون على محتوى يشعرون أنه “يفرغ الدماغ”، قبل أن يتحوّل إلى توصيف شائع لحالة ذهنية وثقافية مرتبطة بالاستهلاك المكثّف والمتواصل للمحتوى الرقمي، ولا سيما لدى جيلَيْ زد وألفا.

السخرية والمشاركة الجدية

جزء أساسي من فكاهة جيلَيْ زد وألفا اليوم يقوم على اعترافٍ مسبق بالحرج: أنا أعرف أنّ هذا “كرينج”، ومع ذلك أشارك فيه. بل إنّ هذا الوعي نفسه يتحوّل إلى مصدر للمتعة؛ فالمحتوى لا يُستهلك رغم كونه محرجاً، بل بسبب كونه كذلك. وكأنّ الاعتراف بسوء النكتة، أو رداءة الفيديو، أو تفاهة الترند، يمنح صاحبه حصانة استباقية من النقد.

في النهاية، يصبح من الصعب، بل من المستحيل أحياناً، التمييز بين السخرية والمشاركة الجدية: هل يُنتَج الفيديو ليُضحِك، أم ليُحرِج، أم ليسخر من فكرة الإضحاك نفسها؟ هذا الالتباس هو أيضاً ما يجعل هذا النوع من المحتوى قابلاً للانتشار، ما يُؤكّد مرة أخرى المنطق السائد في الثقافة الرقمية المعاصرة: الحضور أهم من القيمة، والمشاركة أهم من المعنى.