قبل شهرين من “الإثنين الأسود”، الذي أدى إلى الكساد الكبير، أعرب روجر بابسون، الخبير الاقتصادي من ماساتشوستس، عن قلقه من موجة المستثمرين البسطاء الذين اقترضوا لشراء الأسهم، قائلاً: “عاجلاً أم آجلاً، سيحدث انهيار، وقد يكون كارثياً”.
اليوم، يتزايد عدد المتشائمين، مثل بابسون، الذين يحذرون من مخاطر الذكاء الاصطناعي، خاصةً فيما يتعلق بتقييم شركات التقنية المدرجة والخاصة وسعيها نحو تحقيق الذكاء الاصطناعي العام، وهو أنظمة قادرة على أداء جميع المهام البشرية وأكثر.
هل يشهد عام 2026 انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
تشير بيانات شركة “أومديا” لتحليل البيانات إلى أن شركات التقنية ستنفق حوالي 1.6 تريليون دولار سنوياً على مراكز البيانات بحلول عام 2030، وقد أربك حجم الضجة حول الذكاء الاصطناعي، الذي لا تزال احتمالات ربحيته مجرد فرضية، العديد من المستثمرين المتزنين. ومع ذلك، كما كان الحال قبل قرن، أقنعت فكرة تفويت الفرصة الكبيرة المقبلة الكثير من الشركات بتجاهل هذه التنبؤات المشؤومة.
مرحلة التفاؤل المفرط غير العقلاني
قال أدفيت أرون، محلل تمويل المناخ والبنية التحتية للطاقة في مركز المشاريع العامة، والذي شكك في تقريره الأخير “فقاعة أو لا شيء”، الذي يتشابه مع عقلية بابسون، في خطط التمويل وراء مشاريع مراكز البيانات: “إنهم جميعاً يلعبون لعبة تخمين عشوائية، إذ يعتقدون أن هذه التقنيات الطموحة ستحل أي مشكلة قائمة… ما زلنا بالتأكيد في مرحلة التفاؤل المفرط غير العقلاني”.
عادةً ما يكون من الحكمة للصحفيين تجنب الخوض في نقاش حول ما إذا كان مورد أو تقنية ما مبالغاً في تقييمهما، ليس لدي رأي قاطع حول ما إذا كنا نعيش فقاعة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنني أتساءل عما إذا كان السؤال ضيق الأفق. إذا عرّفنا الفقاعة المضاربية بأنها أي ظاهرة ترتفع فيها قيمة أصل معين بشكل غير مستدام متجاوزةً قيمة أساسية محددة، فإن الفقاعات تكاد تكون منتشرة في كل مكان، وتبدو أنها تتضخم وتنكمش في آن واحد.
مخاوف فقاعة الذكاء الاصطناعي تحكم قبضتها على وول ستريت
قد تكون هناك فقاعة في الذهب، الذي ارتفع سعره بنسبة 64% تقريباً في 12 شهراً حتى 12 ديسمبر، وأخرى في ديون الحكومات، وفقاً لبورغ بريندي، الرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي لاحظ أن الدول مجتمعةً لم تشهد مثل هذا العجز الكبير منذ الحرب العالمية الثانية. يعتقد كثير من الممولين بوجود فقاعة في سوق الائتمان الخاص، وهي سوق بقيمة 3 تريليونات دولار مخصصة للقروض التي تقدمها شركات الاستثمار الكبرى، كثير منها لتمويل بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ويقع خارج نطاق النظام المصرفي التجاري الخاضع لرقابة مشددة.
لقد وصف جيفري غوندلاش، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة إدارة الأموال “دابل لاين كابيتال”، هذا النوع من الإقراض العشوائي غير المنظم والغامض بأنه “إقراض رديء” في بودكاست “أود لوتس” على بلومبرغ، كما وصفه رئيس “جيه بي مورغان تشيس” التنفيذي جيمي ديمون بأنه “وصفة لأزمة مالية”.
فقاعات العملات الرقمية
تجسدت أبرز مظاهر هذا التناقض، إذ بات مستحيلاً تقييم القيمة الحقيقية للأصول بسهولة، على سبيل المثال، ارتفعت قيمة “بتكوين” السوقية الإجمالية بمقدار 636 مليار دولار منذ بداية العام وحتى 6 أكتوبر، قبل أن تتراجع وتفقد كل ذلك وأكثر بحلول 12 ديسمبر.
بلغ حجم تداول عملات الميم، وهي العملات الرقمية التي تُخلّد صيحات الإنترنت، ذروته عند 170 مليار دولار أميركي في يناير، وفقاً لشركة “بلوكوركس”، لكنه انهار بحلول سبتمبر إلى 19 مليار دولار أميركي. كانت عملتا ($TRUMP) و($MELANIA)، اللتان أطلقتهما عائلة الرئيس قبل يومين من يوم التنصيب، في طليعة هذا التراجع، حيث فقدتا 88% و99% من قيمتهما على التوالي منذ 19 يناير.
تقييم العملات الرقمية
قيّم كثير من المستثمرين هذه العملات الرقمية ليس بناءً على قدرتها على خلق قيمة حقيقية للمساهمين والعالم، كما هو الحال مع أسهم الشركات التقليدية التي تُعلن أرباحها، بل بناءً على فرصة تحقيق أرباح طائلة بسرعة، تعاملوا مع الأمر كما لو كانوا يجلسون على طاولة لعبة النرد في رحلة إلى لاس فيغاس.
قد تكون هناك أسباب ديموغرافية تدفع المستثمرين، وخاصةً من ينجذبون إلى العملات المشفرة والمراهنات الرياضية وأسواق التنبؤات عبر الإنترنت، إلى محاولة التلاعب بالأسواق المالية كما لو كانت كازينوهات.
هل يمكن لنصف أبناء الجيل أن يصبحوا مليارديرات؟
جاء في استطلاع رأي حديث من “مؤسسة هاريس” أن 6 من كل 10 أميركيين يطمح إلى جمع ثروة طائلة، يقول 70% من جيل زد وجيل الألفية إنهم يريدون أن يصبحوا مليارديرات، مقابل 51% من جيل إكس وجيل طفرة المواليد.
أشارت دراسة أجرتها شركة “إمباور” المالية العام الماضي إلى أن جيل زد يعتقد أن “النجاح المالي” يتطلب راتباً يقارب 600 ألف دولار وصافي ثروة قدرها 10 ملايين دولار. بفضل مقاطع فيديو تيك توك، ومحادثات المجموعات، ومنتديات “ريديت”، وطبيعة الإنترنت الفورية التي لا مفر منها، أصبح الجميع في العالم على دراية بفرص جني المال في الوقت نفسه.
يبدو هذا جيداً من حيث المبدأ، لكنه أدى إلى موجة عارمة من التقليد، ومنافسة جماهيرية، وسلوكيات جماعية تجعل مسلسل “أبل تي في” الجديد (Pluribus) يبدو مناسباً تماماً للوقت الراهن، لقد حلّ اقتصاد الانتباه -أي الأشياء التي نهتم بها جميعاً في كل مكان في أي وقت- محل الاقتصاد التقليدي بأبعاده المعقدة والمتنوعة بلا حدود.
أليس “لابوبو” فقاعة أيضاً؟
في عالم الأعمال، ينصبّ هذا التركيز الأحادي على الذكاء الاصطناعي، وفي الثقافة الشعبية، كانت هناك فقاعة سيدني سويني، تلتها فقاعة بيدرو باسكال، وفقاعة “6-7”. إذا لم يكن لك أبناء مراهقون، فابحث عنها عبر “جوجل”. خلال العام الماضي، وبفضل مشاهير مثل ليزا من فرقة البوب الكورية (Blackpink)، شهدنا أيضاً هوساً عالمياً بالدمى المحشوة حيوانية الشكل وعديمة القيمة التي تبيعها شركة الألعاب الصينية “بوب مارت إنترناشيونال غروب”، ولنسمِّ ذلك “فقاعة لابوبو”.
في مجال الأغذية، ثمة فقاعة بروتينية بلا شك، حيث يُسوّق الجميع، بدءاً من مُصنّعي الفشار وصولاً إلى حبوب الإفطار، محتواهم البروتيني لجذب المستهلكين المهتمين بصحتهم ومستخدمي هرمون (GLP-1).
“بيوند ميت” تشعل ثورة البازلاء والبروتين
في مجال الإعلام، قد تكون هناك فقاعة مماثلة في رسائل “سبستاك” الإخبارية، والبودكاست التي يُقدّمها المشاهير مثل بودكاست (Good Hang) لآمي بولر و(Confessions of a Female Founder) لميغان ماركل، والأفلام الوثائقية التي تُركّز على حياة المشاهير، والتي يسمح بها أصحابها وتُتاح للبث أسبوعياً تقريباً، وكان أحدثها على “نتفلكس”: فيلم (Being Eddie) عن إيدي ميرفي وفيكتوريا بيكهام.
قال دبليو ديفيد ماركس، مؤلف كتاب (Blank Space: A Cultural History of the TwentyFirst Century): “إن دائرة مرجعية الجميع عالمية، وتتجاوز بكثير ما يراه المرء حوله وتتجاوز طبقته أو منصبه الفعلي، يُمكن أن تنشأ حركات مُتوافقة عالمياً داخل هذه الأسواق، وهو أمر كان مستحيلاً في الماضي”.
المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي
إن المخاطر أكبر بالنسبة للذكاء الاصطناعي منها بالنسبة لمنتج مثل “لابوبو”، لا ترغب أي شركة في التخلف عن الركب، لذا يندفع كل لاعب رئيسي للأمام، ويبني بنية تحتية حاسوبية باستخدام ترتيبات تمويل معقدة، في بعض الحالات، يتضمن ذلك إنشاء شركات ذات غرض خاص، هل تتذكرون تلك التي ظهرت خلال الأزمة المالية عام 2008؟ مثقلة بالديون لشراء معالجات الرسومات من شركة “إنفيديا”، وهي رقائق الذكاء الاصطناعي التي يعتقد بعض المراقبين أنها قد تنخفض قيمتها بشكل أسرع من المتوقع.
التأثير الكمّي لفقاعة الذكاء الاصطناعي
بإمكان عمالقة التقنية تجاوز أي تداعيات ناجمة عن هذا التدافع المدفوع بالخوف من فوات الفرصة، فهم يموّلون مراكز بياناتهم بشكل كبير من ميزانياتهم العمومية القوية، ويمكنهم التعامل مع العواقب إذا قرر جميع الموظفين، على سبيل المثال، أن الإصدار الحالي من “تشات جي بي تي” جيد بما يكفي لإعداد تقييمهم الذاتي السنوي.
لكن شركات أخرى تنخرط في سلوكيات أخطر، فشركة “أوراكل”، وهي مزود قواعد بيانات تقليدي ومنافس غير متوقع في سباق الذكاء الاصطناعي، تجمع 38 مليار دولار من الديون لبناء مراكز بيانات في تكساس وويسكونسن.
تقترض شركات أخرى تُعرف باسم “الحوسبة السحابية الجديدة”، وهي شركات حديثة نسبياً مثل “كورويف” و”فلويدستاك”، التي تُنشئ مراكز بيانات متخصصة للذكاء الاصطناعي وتعدين “بيتكوين” وغيرها من الأغراض، مبالغ طائلة، وفجأةً، يبدأ التأثير التراكمي لفقاعة الذكاء الاصطناعي في الظهور بشكل أكثر حدة.
قال جيل لوريا، المدير الإداري في شركة الاستثمار “دي. إيه. ديفيدسون آند كو”، مستحضراً مقولة روجر بابسون قبل قرن: “عندما نرى كيانات تُنشئ مراكز بيانات بعشرات المليارات من الدولارات بالاعتماد على أموال مقترضة وليس لديها عملاء حقيقيون، حينها أبدأ بالقلق، إقراض المال لاستثمار مضارب ليس فكرة جيدة أبداً”.
