في عالم أصبحت فيه مشاركة تفاصيل حياتنا اليومية عبر الصور والفيديوهات أمراً اعتيادياً على منصات التواصل الاجتماعي، يبرز تهديد جديد وخفي يتمثل في قوة الذكاء الاصطناعي. لم تعد الخلفية غير الواضحة في صورتك آمنة، فبفضل أدوات التجسس الجغرافي المتقدمة، يمكن تحويل لقطة عابرة إلى خريطة دقيقة تكشف موقعك، مما يفتح الباب أمام مخاطر جدية مثل الابتزاز والملاحقة. إذا تمكن شخص ما من تحديد مكان التقاط صورة أو فيديو في سياق خاص أو محرج، يمكنه استخدام هذه المعلومة لابتزاز الضحية مالياً، أو لطلب خدمات معينة تحت التهديد بالفضيحة.
كيف تعمل هذه التقنية؟
تعتمد هذه الأدوات، مثل “GeoSpy AI” ونماذج مشابهة، على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة فائقة. تعمل التقنية عبر الخطوات التالية:
- تحليل الإشارات البصرية: يقوم الذكاء الاصطناعي بفحص أدق التفاصيل في أي صورة أو مقطع فيديو، حتى لو كان بجودة رديئة، مثل شكل المباني، لافتات الشوارع، أنواع الأشجار والنباتات، تصميم الأرصفة، وحتى الانعكاسات على الأسطح الزجاجية.
- الربط بالبيانات الضخمة: تتم مقارنة هذه التفاصيل المستخرجة بقواعد بيانات جغرافية عالمية ضخمة، مثل صور الأقمار الصناعية وخدمة “Google Street View” والخرائط المتاحة للعامة.
- تحديد الموقع بدقة: عبر استخدام نماذج تنبؤية معقدة، يستطيع النظام تضييق نطاق البحث وتحديد الموقع الجغرافي المحتمل بدقة مذهلة، قد تصل إلى بضعة أمتار فقط.
ما كان يتطلب في السابق ساعات طويلة من التحليل من قبل خبراء استخبارات، أصبح الآن ممكناً في دقائق معدودة لأي شخص يمتلك الأدوات المناسبة.
مواقع التواصل الاجتماعي: كنز من المعلومات الجغرافية
يمكن لشخص خبيث تجميع عدة منشورات لشخص ما، وبناء ملف كامل عن أماكن تواجده المعتادة، مثل منزله، مكان عمله، المقاهي التي يرتادها، وحتى مسار تنقله اليومي.
الجانب المظلم: الابتزاز والتهديدات المحتملة
تكمن الخطورة الكبرى في كيفية استغلال هذه المعلومات، حيث يمكن أن تشمل:
- التشهير الرقمي (Doxxing): يمكن كشف عنوان سكن شخص ما ونشره على الإنترنت بهدف التحريض على مضايقته أو إيذائه.
- الابتزاز: إذا تمكن شخص ما من تحديد مكان التقاط صورة أو فيديو في سياق خاص أو محرج، يمكنه استخدام هذه المعلومة لابتزاز الضحية مالياً، أو لطلب خدمات معينة تحت التهديد بالفضيحة.
- المطاردة والتهديد الجسدي: تُسهل هذه التقنية على المتربصين والمجرمين تتبع تحركات ضحاياهم، مما يشكل خطراً حقيقياً على سلامتهم الجسدية.
سبل المواجهة والحد من المخاطر
إن مواجهة هذا التهديد تتطلب جهداً مشتركاً على عدة مستويات:
على المستوى الفردي (وعي المستخدم)
- التفكير قبل النشر: كن واعياً بالخلفيات التي تظهر في صورك وفيديوهاتك، وتجنب إظهار معالم مميزة بالقرب من منزلك أو مكان عملك.
- طمس الخلفيات: استخدم أدوات تعديل الصور لطمس الخلفية أو قص الصورة للتركيز على الموضوع الرئيسي.
- إيقاف تحديد الموقع الجغرافي: تأكد من إيقاف خاصية حفظ بيانات الموقع (Geotagging) في كاميرا هاتفك وإعدادات التطبيقات.
- مراجعة إعدادات الخصوصية: اجعل حساباتك خاصة قدر الإمكان، واقبل طلبات المتابعة من الأشخاص الذين تعرفهم فقط.
على مستوى المنصات الرقمية
- يجب على شركات التواصل الاجتماعي تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مضادة، تقوم تلقائياً باكتشاف المعلومات الجغرافية الحساسة في المحتوى المنشور، وتحذير المستخدم أو طمسها تلقائياً.
- تثقيف المستخدمين بشكل دوري حول مخاطر مشاركة المواقع الجغرافية.
على المستوى التشريعي
- هناك حاجة ماسة لسن قوانين وتشريعات واضحة تجرم استخدام هذه التقنيات لأغراض خبيثة مثل الابتزاز والمطاردة، مع فرض عقوبات رادعة.
إن تقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي هي سلاح ذو حدين، فبينما يمكن استخدامها في الخير لمكافحة الجريمة وتحديد مواقع الكوارث، إلا أنها تضع خصوصية وأمن الأفراد على المحك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
