قد يكون من المفيد استحضار دروس التاريخ عند الحديث عن الوضع الراهن في اليمن، خاصة فيما يتعلق بالجنوب، حيث تبرز حرب صيف 1994 التي انتهت بانتصار قوات الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وإعادة تفعيل اتفاقية 1990 التي وحدت بين شمال وجنوب اليمن، صحيح أن الظروف الحالية، وتوازن القوى بين الحوثيين والمجلس الانتقالي الجنوبي، ليست متشابهة، ولا يمكن أن تؤدي إلى نتائج سياسية وعسكرية مشابهة، حتى على مستوى التباين أو التوافق بين نهج الإمارات والسعودية بشأن العمليات العسكرية للمجلس الانتقالي في عدن والمهرة ومناطق أخرى في حضرموت، لكن هذا لا ينفي وجود عناصر أخرى مهمة، أبرزها استغلال مظالم أهل الجنوب للدفع نحو الانفصال تحت علم الجنوب التاريخي بدلاً من العلم الرسمي للبلاد.
بعبارة أخرى، بغض النظر عن الأجندات المحلية أو الإقليمية للمجلس الانتقالي، والتي لا يخفى على أحد، نادراً ما يهتم قادته بإخفائها، فإن هناك ناراً مشتعلة تحت الرماد، لأسباب تاريخية تتعلق بالحاجة إلى مزيد من الوقت والتعايش بين أبناء الشمال والجنوب، في ظل غياب استقرار نسبي.
لم تعرف مناطق جنوب وشرق اليمن نظاماً سياسياً موحداً إلا في عام 1967، حين تم دمج 21 سلطنة وولاية وإمارة بالقوة في دولة واحدة تحت اسم جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، لكن التناحر السياسي استمر، سواء في عهد الحزب الاشتراكي أو خلال سنوات الوحدة قبل اندلاع الحرب الأهلية، ولم تكن حال الشمال مختلفة، حيث ظلت الولاءات القبلية هي السائدة، مع وجود خلاف مذهبي بين السنة الشافعية والشيعة الزيدية، والذي بلغ ذروته مع صعود الحوثيين من منطقة صعدة.
من خلال تحرك عسكري، يستغل المجلس الانتقالي مشهداً اجتماعياً وسياسياً وإنسانياً معقداً في جنوب اليمن، يتشكل منذ عقود حول احتمالين، لا يتطابق أي منهما مع معطيات الوحدة أو الحكومة الانتقالية التي فرّت إلى الرياض، أو حتى اتحاد مناطق الجنوب، الاحتمال الأول هو أن يؤدي المشهد إلى انتفاضة شعبية ذات مطالب معيشية وحقوقية واضحة، تتمحور حول رد المظالم التي تعرضت لها شرائح من أبناء الجنوب بعد فشل تجربة الانفصال في 1994.
أما الاحتمال الثاني، فقد يتطور إلى “ثورة برتقالية”، كما يصفها بعض المعلقين، تدرج هذه المظالم ضمن مشروع سياسي معارض مدعوم بحراك شعبي يومي، يشبه قنبلة موقوتة، تتكون من معاناة الظلم والإهمال في الجنوب، والفساد والتسلط من جانب السلطة.
وبما أن المجلس الانتقالي ليس الجهة المرشحة لقيادة الاحتمال الثاني، ولا يرغب في ذلك، فإن الاحتمال الأول يواجه اختباراً لتشكيل ائتلاف بين المظالم والأجندات الإقليمية، مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، لكن اعتماده بدأ يتحول من مغامرة تكتيكية إلى مجازفة استراتيجية.
يبقى الأمل في ألا تتطور مظاهر السخط في محافظات الجنوب إلى نعرات مناطقية تؤدي إلى زيادة الشعور بالحاجة، معيشياً وإنسانياً، إلى الانفصال مجدداً، لأن عواقب الأحداث اليومية المتفجرة قد تنذر بما هو أسوأ من مجرد اللعب على تناغم مزعوم بين المظالم المحلية والأجندات الإقليمية.

التعليقات